عتُمِدت أهداف التنمية المستدامة (SDGs) من قبل جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالعام 2015 بوصفها إطارًا مشتركًا لمعالجة الفقر، وعدم المساواة، والتعليم، وحماية البيئة، وتطوير المؤسسات، بما يوفر هيكلًا عمليًا للتعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني. وقد أتاح لي انخراطي في عدد من هيئات الأمم المتحدة، بما في ذلك رئاستي لتحالف الأمم المتحدة العالمي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتنمية، ومنصبي كنائب لرئيس الميثاق العالمي للأمم المتحدة، الإسهام في النقاشات المتعلقة بكيفية توظيف التكنولوجيا وأنظمة المعرفة لدعم هذه الأهداف. واليوم يقدّم الذكاء الاصطناعي أدوات جديدة يمكن توظيفها لتسريع التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد المؤسسات على فهم التحديات المعقدة من خلال تحسين تحليل البيانات وتمكين اتخاذ قرارات أسرع، بما يتماشى مع الهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة المعني بإرساء السلام والعدالة وبناء مؤسسات قوية. كما يمكنه، أي الذكاء الاصطناعي، دعم أنظمة الإنذار المبكر للمخاطر البيئية وقضايا الصحة العامة، والمساهمة في توحيد مجموعات البيانات التي تكون غالبًا غير متسقة أو غير مكتملة. وعلى رغم أهمية هذه المزايا، فإنها لا تغني عن الحاجة إلى أطر تنظيمية سليمة، وبنية تحتية مستقرة، وكوادر مؤهلة؛ فالدول التي تفتقر إلى هذه الأسس لن تستفيد من الذكاء الاصطناعي بالوتيرة نفسها التي تستفيد بها الدول التي استكملت بناءها المؤسسي والتقني.
يُعد التعليم محورًا أساسيًا في الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو إلى توفير فرص تعلم شاملة وعالية الجودة. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يوسّع نطاق الوصول إلى المواد التعليمية، ويدعم الطلبة من ذوي الإعاقة، ويساعد المعلمين على إعداد الدروس بكفاءة أكبر. كما يتيح التعليم تقديم تغذية راجعة فورية تمكّن الطلبة من التعلم وفق وتيرتهم الخاصة، غير أن تحقيق هذه الفوائد يتطلب تحديث المناهج، وتأهيل المعلمين، ووضع سياسات واضحة لحماية البيانات. وقد أظهرت خبرتي في تأسيس مؤسسات تعليمية وتدريبية أن نجاح التكنولوجيا مرهون بتوفير الدعم المناسب للمعلمين والإداريين.
ويمكن للذكاء الاصطناعي كذلك أن يعزز الابتكار الاجتماعي بما يدعم الهدف الثامن المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، والهدف العاشر المعني بالحد من أوجه عدم المساواة؛ فكثيرًا ما يمتلك رواد الأعمال المحليون فهمًا أعمق لاحتياجات مجتمعاتهم مقارنة بالمؤسسات الكبرى، ويمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتهم في تحليل البيانات، وتحسين العمليات، والوصول إلى جمهور أوسع. كما تسهم البرامج التي تدعم النساء والفتيات في اكتساب المهارات الرقمية والإدارية في تحقيق الهدف الخامس المتعلق بالمساواة بين الجنسين. وينبغي تصميم هذه المبادرات بعناية لضمان وصولها إلى الفئات الأقل حظًا وتزويدها بمهارات عملية قابلة للتطبيق المباشر.
وترتبط تطبيقات الذكاء الاصطناعي البيئية ارتباطًا وثيقًا بالهدف الثالث عشر المعني بالعمل المناخي، والهدف الخامس عشر المتعلق بالحياة في البر؛ إذ يمكن للذكاء الاصطناعي معالجة البيانات الواردة من الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار والمشروعات العلمية لتحسين رصد التنوع البيولوجي وإعداد التقييمات المناخية. كما تسهم هذه الأدوات في توحيد البيانات غير المتسقة ودعم إعداد تقارير بيئية أكثر دقة، غير أن فعاليتها تتطلب استثمارات موازية في بناء القدرات العلمية المحلية؛ لأن الحلول البيئية التي تعتمد حصريًا على أدوات مستوردة دون تنمية الخبرات المحلية نادرًا ما تحقق نتائج مستدامة طويلة الأجل.
ويُعد القطاع الزراعي مجالًا آخر يمكن أن يدعم فيه الذكاء الاصطناعي الممارسات المستدامة بما يتوافق مع الهدف الثاني المتعلق بالقضاء على الجوع؛ إذ يستطيع المزارعون استخدام أدوات قائمة على الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات مستندة إلى البيانات تعزز صحة التربة، وتقلل الهدر، وتقوي القدرة على التكيف مع تغير المناخ، غير أن هذه الأدوات يجب أن تكون متاحة ومصحوبة ببرامج تدريبية تمكّن المزارعين من استخدامها بكفاءة.
لقد عرضتُ هنا عددًا من السبل التي يمكن من خلالها للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة متى استُخدم بمسؤولية وشفافية وفي إطار حوكمة واضحة، غير أنه لا يمكن أن يحل محل الحكم البشري، ولا أن يعوض ضعف المؤسسات. وينبغي على صناع السياسات التركيز على بناء المهارات الرقمية، وتعزيز الأطر التنظيمية، وضمان توجيه أدوات الذكاء الاصطناعي لخدمة المصلحة العامة؛ إذ إن قيمة المخرجات ترتبط بتوافر مدخلات دقيقة ومفصلة؛ فالذكاء الاصطناعي ليس بديلًا من الكفاءة، ولا من الحوكمة الرشيدة، وهو ليس حلًا سحريًا لمعالجة أوجه عدم المساواة.
أما فيما يتعلق بالتقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، فقد أُحرزت بعض الإنجازات في مجالات مثل التعليم، والصحة، وإتاحة الطاقة، والشمول الرقمي، إلا أن وتيرة التقدم ما تزال متفاوتة بين المناطق. والعالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق هذه الأهداف بحلول العام 2030؛ إذ تتطلب العديد من الغايات إجراءات أسرع وأكثر تنسيقًا، وهي تحتاج إلى تقدم ثابت، وتعاون جاد، وإجراءات عملية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في دعمها وتسريعها.